الشيخ السبحاني
22
بحوث في الملل والنحل
يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية يخربونها ويقتلون أكثر أهلها ولم ينجُ إلّا الشريد الفارّ ( فعلوا كل ذلك ) في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله . ثمّ لما فرغوا من آذربيجان وأرانية صاروا إلى دربند شروان فملكوا مدنه ولم يسلم غير القلعة الّتي بها ملكهم ، وعبروا عندها إلى بلد اللان واللكز ، ومن في ذلك الصقع من الأُمم المختلفة فأوسعوهم ، قتلًا ، ونهباً ، وتخريباً ، ثمّ قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عدداً ، فقتلوا كل من وقف لهم ، فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال ، وفارقوا بلادهم واستولى هؤلاء التتر عليها في أسرع زمان ، ولم يلبثوا إلّا بمقدار مسيرهم لا غير . ومضت طائفة أُخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ، ففعلوا فيها مثل ما فعل هؤلاء وأشد . وهذا ما لم يطرق الأسماع مثله . فإنّ الإسكندر الّذي اتفق المؤرخون على أنّه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة ، إنّما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً . وإنّما رضي من الناس بالطاعة ، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه ، وأكثره عمارة وأهلًا ، وأعدل أهل الأرض أخلاقاً وسيرة في نحو سنة ، ولم يبق في البلاد الّتي لم يطرقوها إلّا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه » . « 1 » ثمّ إنّ ابن الأثير تتبّع مسير التتار وهجماتهم الوحشية ، فذكر الحوادث المفجعة سنة بعد سنة ، إلى أن وصل إلى حوادث ( 628 ه ) وبعدها بقليل .
--> ( 1 ) . الكامل لابن الأثير : 12 / 358 - 361 .